«قاتل داخل المصحه»

«قاتل داخل المصحه» 

عندنا قاتل في المصحة حاول ينتحر تلت مرات
حالة غريبة, عجيبة, الطب النفسي كله وقف عاجز قدامها مش قادر يلاقي لها تفسير, الراجل ده بيدعي المرض عشان ينجو من حبل الإعدام, ولا فيه كيان مُخيف هو اللي عمل فيه كل ده, كيان اسمه "الغول"
....................
هي قصة واحدة بتتحكي, لدرجة ان كل عمال المصحة حفظوها عن ظهر قلب, قصة اتقالت للدكاترة, واتقالت للعمال, واتقالت للجنة الاستشاريين, واتقالت حتى لعم متولي الغفير, قصة رغم تكرارها بتبث الرهبة في نفس أي حد بيسمعها, خاصة ان اللي بيحكيها وشكله يقطع القلب ده كان بيتسمى بشيطان الطريق, شيطان الطريق اللي بقا بيتبول على نفسه من الحالة اللي وصل ليها..

يومها كنت محتاج قضية أكتب عنها على الموقع بتاعي الخاص بالغرائب والماورائيات, وكنت فعلا في أشد الاحتياج لحاجة غريبة وجديدة, وفي نفس الوقت حاجة حقيقية وفيه اثبات عليها, وملقتش غير زميلي الطبيب النفسي اللي شغال في مستشفى الأمراض النفسية..

ياما روحتله وطلبت منه ومكنش بيتأخر عليا, واعتقد ان جه الوقت أزوره ولو زيارة بسيطة, اتصلت بيه وبلغته اني هستناه على الكافيه اللي جمب المستشفى الساعة خمسة عشان نقعد ويحكيلي عن أي قضية جديدة, وافق طبعا واتفقنا وقفلت معاه, وعلى الساعة 4 لبست هدومي وطلعت على الكافيه, وصلت تقريبا الساعة خمسة الا ربع واستنيته شوية, بس الانتظار طال لحد خمسة ونصف, اتصلت بيه عشان أشوفه لقيته بيعتذر ان عنده شغل وهيتأخر شوية, قولتله مفيش مشاكل ونتقابل يوم تاني, بس هو أتكلم بانفعال وقال:

- يا جدع عيب اللي بتقوله ده, تعالى المستشفى نقعد هنا عادي, كل الناس مشيوا ومفيش غيري انا واتنين دكاترة
- عشان بس مسببلش ضرر في شغلك
- ضرر ايه يابني انا هنا الكل في الكل, هسيبلك خبر مع الأمن وهتدخل على طول

معرفش ليه حسيت برهبة وانا ماشي ناحية المستشفى, وبالأخص لما قرأت الاسم المكتوب على اليافطة

"مستشفى الأمراض النفسية والعصبية"

طول عمري بتخيل الناس اللي جوة حالتهم عاملة ازاي, اللي مجنون واللي موهوم واللي ملبوس بالجن, اللي مقدرش يقاوم ظلم الدنيا واللي اتداس في الرجلين, الظالم والمظلوم واللي بيمثل والمُدمن, عالم تاني لو بس فكرت فيه ممكن تتجنن من اللي هتشوفه..

حتى شكل المستشفى نفسه كان غريب ومخيف أوي, شكل الأشجار والزرع باهت رغم انه في قمة التنظيم, كأن الزرع نفسه اتنقلتله عدوى الحزن والقهر اللي جوة النزلاء جوة, وصلت للبوابة وبلغتهم ان معايا مقابلة مع الدكتور حسن عبد الرازق, خدني فرد أمن ودخلني للدور الأرضي, شوية ودخلت مكتب للدكتور اللي استقبلني بتوتر وقلق شوية, بصيت في عنيه وسألته بخوف على صاحبي:

- مالك
- موقف غريب من المواقف اللي مبتخلصش
- طيب عرفني فيه ايه
- مريض متهم في قضية قتل وكنت في جلسة نفسية معاه عادي لقيته حرفيًا بيتحول
- بيتحول يعني ايه
- مش عارف اوصفلك بس دي تقريبا أغرب حاجة انا ممكن اقابلها في حياتي
- طيب ما تدي لاخوك فكرة حكاية جديدة عشان مقال الأسبوع
- مانت لو بتدفع مبلغ كويس زي الناس كنت حكتلك
- هتاخد فلوس من صاحبك يا مادي

ابتسم ابتسامة غامضة كدا وبعدها قالي:

- انا هعمل معاك واجب محصلش قبل كدا
- فرحني
- هخليك تسمع من الحالة دي شخصيًا
- بتتكلم بجد
- ايوة بتكلم بجد, تعالى

ومشينا في طرقة المستشفى, التكييف البارد والحوائط البيضا اللي تقبض القلب, دخلنا من بوابة حديد صغير ناحية عنبر الرجالة, وفي نهاية الممر وقفنا قدام باب حديد, طلع الدكتور المفتاح وفتحه, وورا الباب كانت فيه شبكة تفصل بينا وبين المريض..

أتكلم الدكتور بصوت عالي وقال:

- احكي لأستاذ أدهم عن الغول يا سعد
وقتها ظهر سعد قدامنا, وشوفت وشه, الراجل عنيه شاخصة ناحية الفراغ بطريقة ترعب, وجسمه هزيل وشعره طويل أوي, وسنانه عمالة تعض على شفايفه بطريقة قاسية, كأنك بتتفرج على وحش مش انسان بشري..

بص ناحيتي ولمحت في عنيه نقاط حمرة دموية كتير, وزي الانسان الآلي بدأ يتكلم ويقول:

- الغول, الغول واقف على الطريق. الغول واقف على الطريق
كنت شيطان واسمي كان الشيطان, شيطان معاه عصابة بيقف على الطريق بالليل عشان يثبت المسافرين على الصحراوي ويسرق متعلقاتهم وعربياتهم، وكنت مقابل كل ده مستعد ارتكب الف جريمة قتل، المهم ان مفيش ضحية تفلت من تحت ايدي مهما كانت.. 

كنا قاعدين في الجبل، بننصب الفخاخ على الطريق بالليل لعل وعسى عربية تقف فناخدها من صاحبها تحت تهديد السلاح، واحد يقف يعمل نفسه تايه ويشاور، نقف بعربية على جمب الطريق كأنها عطلانة، واحد يلبس ملابس ست ويشاور للعربيات.. 

كان عندنا الف خدعة وخدعة، وكان عندنا الف مخبأ في الجبل جوة، وياما توهنا الشرطة ومعرفوش يقبضوا على واحد فينا.. 

والاسوأ ان الأيام دي محتاج فلوس بأي طريقة، محتاج حوالي ١٥٠ الف جنيه خلال اسبوع عشان اول شحنة سلاح هتدخل البلد عن طريقي، ومش مستعد افشل في ده مهما حصل.. 

يعني بالميت عاوز تلت عربيات عشان نصيبي من وسط الرجالة يوصل للرقم ده، يومها بالليل وعلى الساعة ١٠ تقريبا بالليل نزلنا من الجبل على الطريق، الطريق الصحراوي اللي الوقوف عليه بالليل بيحسسك انك واقف في عالم تاني.. 

ظلام وبرد، عربيات بتجري زي الصواريخ، ورهبة ما بعدها رهبة، خاصة لما تسمع صوت العربية اللي بتجري وتشوف وميض اللهب اللي بتسيبه وراها، بس انا، انا كنت الشيطان.. 

شيطان الطريق، اللي الحكومة بقالها سنين عايزة تقبض عليا ومش عارفة، الشيطان اللي بيهابه الطريق نفسه، اتخفينا على الطريق ووقف كرم يشاور للعربيات لعل وعسى عربية تقف.. 

بس الناس كانت شبعت اخبار عن جرايم الطُرق، وده خلى كرم يقف اربع ساعات كاملين من غير ما حد يقفله، بل والعربيات لما كانت بتلمحه كانت بتزود سرعتها، وانتهت الليلة من غير ولا صيد واحد.. 

والليلة التاني عدت بنفس النظام رغم ان كرم اتخفى في ملابس واحدة ست، وتالت ليلة نفس الكلام، سوء حظ رهيب كان بيطاردني، وفلوسي لازم تكون حاضرة على نهاية الاسبوع.. 

في اليوم الرابع كنت غضبان، مش طايق نفسي، كان عندي جرأة اني اقتل اللي معايا وابعهم أعضاء، المهم اجيب فلوس.. 

وبعد تلت ساعات من الانتظار المرعب طلعت بعربيتي المتخفية في وسط الطريق وسط ذهول الرجالة اللي معايا، ومع أول عربية جاية قفلت عليها الطريق، وسمعت صوت الفرملة من مسافة نص كيلو تقريبا، سواقها عرف اني قاصد اني اقفل عليه، وبدأ يتحرك بعشوائية بعربيته عشان يعدي من جمبي، بس انا قفلت عليه، يا اما يخبط فيا أو يقف، وقبل ما يخبط في عربيتي بلحظات انحرف بالعربية ودخل في قلب الرملة لحد ما وقف.. 

في لحظة خدت سلاحي وجريت عليه، وقبل ما اوصل للعربية لقيته طلع من الرملة، وجري، جري بالعربية على الطريق تاني، ومكنش قدامي غير لحظة، لحظة واحدة.. 

وانا مترددش، وضربت الطلقة ناحيته، وبالأخص في دماغه، ووقفت عربيته، وقفت وانا سامع صراخ وبكاء شديد.. 

وصلت العربية لقيت ست بتصرخ وبنت صغيرة بتبكي، صرخت فيهم ينزلوا، الراجل جوزها كان ميت ودماغه بتسيل بالدم.. 

كرم ورضا شالوه بسرعة وانا ركبت العربية وجريت بيها.. 

وهما خدوا الجثة ورموها ع الطريق ودخلوا في قلب الجبل، اما انا فجريت بالعربية زي الصاروخ، وبعد كام كيلو هلاقي طريق صغير اعرف ادخل منه بالعربية في الجبل، كنت فرحان، حاسس بالإثارة.. 

عربية غالية اوي هتجيب مبلغ ممكن يغنيني بالفعل، وبعد دقايق كان المدق قدام عيني، المدق اللي هدخل منه على جانب الطريق للجبل.. 

هديت سرعتي و
و
و

ولمحته واقف سادد المدق، راجل لابس اسود وجسمه ضخم، ضخم جدا، وقفت اضربله كلاكس عشان يتحرك بس هو كان ثابت زي التمثال، دوست بنزين مرتين بعنف كنوع من أنواع التهديد.. 

وقتها اتحرك ناحية العربية، وفي لحظة العربية عطلت، حاولت ادورها مرة واتنين بس كانت مبتتحركش، ومع ذلك الكشاف الامامي كان متسلط على الراجل ده.. 

وواحدة واحدة ظهرت ملامحه، ولأول مرة في حياتي أحس بالخوف، لا بالرعب، الراجل وشه كان اسود متفحم، وعنيه بيضا زي التلج، وعنده انياب ضخمة لونها احمر ملتهب، وكان بيزوم، ايوة كان بيزوم زي الوحش، وصوت أنفاسه خشن، عالي، كان واصلني.. 

حسيت بالجنون، دورت العربية مرة واتنين وتلاتة بس كانت واقفة، جسمي كان منمل كأنه مشلول تماما، وانفاسي كانت واقفة، مش قادر اتنفس ولو مرة.. 

في اللحظة دي كان وصل، وصل وحط وشه قدام وشي، وبدأ يزوم ويفتح بقه عشان تظهر انيابه قدام عينه اكتر، وجوة عنيه شوفت، شوفت ناس بتتحرق في النار، شوفت ناس عريانة بيصرخوا وكأنهم في قلب الجحيم، وشوفت.. 

شوفت نفسي في النار دي بتحرق، شوفت سلاسل من نار رابطة جسمي وبتدوب لحمي وجلدي، و
في اللحظة دي سعد عض على لسانه بعنف شديد لحد ما قطع حتة من لسانه، كان بيتنفض، بيصرخ، والدم نازل من بقه بشكل بشع، التمريض لحقوه ودخلوه الرعاية وانا قدامه واقف مذهول، مش قادر انطق.. 

اللي عرفته بعد كدا ان الست وبنتها ربنا كرمهم وعربية وقفتلهم، وحكت للسواق اللي حصل، واتصلوا بالشرطة والاسعاف، الغريب بقا انهم لقوا تاني يوم الصبح عربية القتيل على مدق الجبل وجواها سعد وجسمه كله متخربش ومتعور بطريقة بشعة، ومع ذلك كان حي، بس كان عامل زي الجثة.. الجثة اللي بدون روح.. 

معرفوش في التحقيقات ياخدوا منه حق ولا باطل، في النهاية راح المستشفى، وبقا مبيحكيش غير نفس الحكاية كل يوم، الغول بيجيلي كل ليلة بالليل.. 

وكلها اسبوع وانتحر، انتحر في الحمام بطريقة من بشاعتها مش هقدر اقولها، وللأسف مأشفقتش عليه، لأنه يستحق العقاب.. 

وكل اللي مبيحترمش الطريق يستحق الغول، اللي بيجري باستهتار وبيعرض حياته وحياة الناس للخطر، اللي مش بيلتزم بمكان السير المخصص بتاعه يستحق يطلعله الغول، اللي بيأذي الناس على الطريق يستحق الغول.. 

الغول اللي ناس كتير أجزموا انه موجود بالفعل على الطريق مستني كل شخص مايحترمش الطريق عشان يعاقبه بعقاب مخيف.. 

......... تمت..

"بقلم زينب رامى"
«جريدة نور» 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حوار مع /مصطفى دويدار

حوار مع المبدعة/فاطمة محمد عبدالله

حوار مع المبدعة /هند أبراهيم